ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد..
د.مظهر محمد صالح

د.مظهر محمد صالح
هي عروقٌ تحمل أوراقًا خضراء، التفّت حول شجرةٍ عملاقة في بلادٍ تمتلك ثالث أعلى احتياطي من الغابات في العالم. في تلك الغابة التي أنعم الله عليها بأشجارٍ غرست جذورها عميقًا في الأرض، وامتدت فروعها نحو السماء، أدركت أن تلك العروق التي تحتضن الشجرة الكبيرة ليست ابنتها، بل عروقٌ مغتربة .. تشبهني .. كأن اغترابنا واحدًا.
راقبتُ ذلك التشابك العجيب بين شجرةٍ من الغرب ، وأخرى تتمنى الشرق. وسرّني أن كثافة الأوراق كانت تشير إلى أنها شجرة عنب، لكنها خلت من عناقيدها، وانشغلت فقط بالالتفاف، كأنها تحاول أن تكسر غربتها بالاحتضان.
حينها، عادت بي الذاكرة.
تذكرتُ كيف كانت هذه الأوراق جزءًا من مطبخ أمي، وأمهات بلادي، وهنّ يعددن واحدة من أشهر أكلات الشرق. سبقت يدي ذاكرتي، فمددتُها لأقطف بعض الأوراق، علّنا نستعيد طعم الشرق في بلادٍ تغيّرت مطابخها، قبل أن تغزوها عولمة الوجبات، فتجعل العالم مطبخًا واحدًا، تتوافر فيه كل الأطباق… لكنه يفتقد أمهاتنا إلى الأبد.
اعترضني رجلٌ كندي، أوروبي الجذور. شاركني القطف، ثم سألني مبتسمًا:
“أعرف أن هذه الأوراق تُسمى wine leaves… وقد عرفت أنك من الشرق فور رؤيتك تقطفها.”
ثم أضاف: “زرتُ الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، وتناولتُ وجبة لذيذة من الأرز الملفوف بهذه الأوراق… لكني نسيت اسمها.”
ضحكنا معًا، وقلت له: “إنها من طقوس المطبخ العراقي… اسمها الدولما.”
أشرق وجهه وقال: “نعم، تذكرت!”
تبادلنا حديثًا شيقًا عن المطبخ الشرقي، ودعوته أن يكون ضيفي يومًا، إن استطعتُ العثور على ورق العنب، رغم أن الخريف بدأ يزحف، ليجرد الغابة من أوراقها.
قال لي مطمئنًا:
“لا تقلق… أنت في بلادٍ يتوافر فيها كل شيء.”
مرت الأشهر. وبينما كنتُ أخوض طرقاتي وسط تلال الثلوج الكندية التي لا تهدأ، دخلتُ متجرًا يبيع كل ما يخطر على البال. سألتُ عن ورق العنب، فأشار البائع إلى رفٍ قريب، وجلب لي علبة زجاجية محفوظ فيها ورق العنب، كأنه مخلل.
دهشت هنا، حيث الشتاء يسبق الصيف، والثلج يسبق المطر، وحيث الأشجار تفقد أوراقها قبل أن تكتمل مواسمها… ويتوافر كل شيء.
اليوم، لم تعد هناك معاناة في العثور على ورق العنب. العلب الزجاجية تملأ الأسواق. لكن… أي ورق عنب هذا؟ مستورد أيضًا.
حزنت.
في شمال العالم، سرق الثلج القدرة على إنباته، وفي الشرق، لم يعد من أرضه. حتى في مطبخنا، صرنا نعدّ أكلاتنا بأوراقٍ ليست من بلادنا.
رحلت أمي… ورحلت جدتي… ورحلت معهما تلك الهمة في جمع أوراق العنب. أصبح الترف الاستهلاكي يقدّم لنا “الدولما” جاهزة، بلا تعب، بلا انتظار، بلا ذاكرة.
وذاكرتي أنا… تتعب.
تتآكل تحت ضغط عالمٍ استهلاكي، جعل من الزراعة، والعمل، والمطبخ، مجرد سلعٍ في سوقٍ معولم. سوقٍ ازدهرت فيه حقولٌ بعيدة في شرق المتوسط، تنتج وتصدّر، بينما حقولنا تراجعت، وجفّت، وفقدت أعنابها.
لم تعد بلادنا تغني لكرومها.
بل صارت تتغنى بحقولٍ داكنة…
تنتج شيئًا آخر.
شيئًا يتكالب عليه العالم، سلمًا أو حربًا…
انه النفط… بدلًا من ورق العنب.



