نساء العمل… حين يتحول أيار إلى مرآةٍ لوجعٍ صامت

د. مظهر محمد صالح
وجدتُ نفسي وأنا أتطلع عاليًا في تلك الحديقة المشرقة بالبهجة، حيث بدت من خلال الأغصان الصيفية كأنها ملهاة صادقة لا ينبغي لنا أن نهجرها، ونحن الذين قضينا شهورًا طويلة متدثرين بثلوج شتاء القارة الأمريكية الشمالية. ولم يفاجئني شيء سوى تلك التحية الهادئة التي تلقيتها، وأنا مسترخٍ على مقعدي، من سيدة ممشوقة القامة، تتسم بشكيمة وقوة، دون أن تُخفي ملامحها هدوءًا جعل ظهيرة ذلك اليوم أكثر إشراقًا.
اتخذتُ موقف الحذر، حتى استعدتُ أنفاسي وجمعتُ شتات عزيمتي، ثم بادرتُها بالسؤال: من أنتِ؟
توقفت السيدة أمامي، وعلى ثغرها ابتسامة ودودة، وقالت: هل أستطيع الجلوس إلى جانبك على هذه الأريكة؟
أجبتها: نعم.
ثم تابعت قائلة: ابنتي “مارتا”، ذات الثماني سنوات، تلعب مع ابنتك هنا؛ فهما في مدرسة واحدة.
وهنا اقتربت دوائر المعرفة بيننا، وسألتني مباشرة: ماذا تعمل في هذه البلاد الباردة أيها الرجل الشرقي؟
أجبتها بأنني أواصل دراساتي العليا في علم الاقتصاد.
سكتت قليلًا، ثم سألت: ما معرفتك بالاشتراكية في بلادي، Czechoslovakia، التي غادرتها قبل سنوات لأستقر هنا؟
تبسمتُ وقلت: “من كلٍ حسب طاقته، ولكلٍ حسب عمله”.
قالت: نعم… تلك هي الاشتراكية، نظام يقوم على نزع الملكية الخاصة وتحويلها إلى ملكية عامة.
ثم استطردت: لقد قدمتُ خدمات ناجحة في بلادي، لكن أزمة التطبيق، حين تمسك بعض القادة بمبدأ “لكلٍ حسب حاجته… لأنفسهم فقط”، دفعتني لأن أُؤثر عواطفي الشخصية على المصلحة العامة. فغادرتُ وطني في زمن صراع مرير على لقمة الخبز.
وتابعت بصوت خافت: وجدتُ نفسي أمام خيارين… الهزيمة أو الهجرة عبر الأطلسي. فاخترتُ الهجرة، وها أنا اليوم في واحة الرأسمالية.
ثم صمتت طويلًا، وكأن حزنًا عميقًا يتسرّب من بين كلماتها. وقالت: لكنها واحة باردة… كالنار، تحرق بصمت.
سألتها: ماذا تقصدين؟
قالت: أقصد جحيمًا آخر… محفورًا على جدرانه: “هنا تنتهي حياتكِ على بوابات الرأسمالية”.
أدركتُ حينها أنها تتحدث عن معاناة المرأة في سوق العمل، حيث يُراد لها أحيانًا أن تدفع ثمن فرصتها بكرامتها، وأن تُساوم على مبادئها مقابل لقمة العيش. كانت تقول إن بعض أرباب العمل لا يمنحون الفرص إلا بثمن أخلاقي باهظ، وأن بطالتها مستمرة ما دامت ترفض تلك الشروط، حتى لو كلّفها ذلك فقدان العمل.
نظرتُ إليها بشفقة، وهي القادمة من إرث أوروبي عريق، لأرى كيف تحوّلت مشاغل العمل في بعض البيئات إلى ساحات استغلال، تُهدد العلاقات الإنسانية والقيم الأخلاقية تحت ضغط الحاجة.
سألتُها: ما الحكمة التي خرجتِ بها من مقارنة هذين النظامين؟
أجابت: لقد كان عدونا الحقيقي هو الأفكار حين تتحول إلى أدوات للهيمنة. نحن وُلدنا أحرارًا، ولم نُخلق لنكون سلعة في أسواق العمل… أو أجسادًا تُستباح مقابل البقاء.
بين صيف 1983 وصيف 2018، قرأتُ خبرًا صادمًا عن آلاف العاملات الموسميات من شمال أفريقيا، يعملن في مزارع إسبانيا لجني محصول الفراولة، ويتعرضن أحيانًا للتحرش أو الاستغلال، في ظل غياب الحماية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، أشار الكاتب الإسباني Diego Cañamero إلى أنه لا يمكن في أوروبا القرن الحادي والعشرين أن تُباع الفراولة وهي محمّلة بطعم الاستغلال وانتهاك كرامة النساء.
من صفوة الكلام ،
ستبقى السماء ملبّدة ما دامت نساء العمل يُدفعن ثمنًا مضاعفًا بين الحاجة والكرامة. فحين تتحول فرص العيش إلى أدوات ابتزاز، لا يكون الخلل في نظامٍ بعينه، بل في غياب العدالة الإنسانية نفسها.



