شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته

د. مظهر محمد صالح
أخذني الفضول يومًا لأتعرف على الاسم القديم لشارع النضال في العهد الملكي في العراق، ذلك الشارع الذي كان يطل عليه القصر الأبيض. سألت كثيرين، لكن النسيان، وتزاحم السنين، كانا قد محوا الإجابة من ذاكرة أغلبهم.
إلى أن التقيتُ برجلٍ قانوني، بغدادي الجذور، يناهز الثمانين من عمره، هو المرحوم عبد الهادي الشاوي. سألته، فتوقف قليلًا، وقال مبتسمًا باعتذار:
“نسيت.”
تركته لأيام… لكن السؤال لم يتركه.
عاد إليّ مسرعًا، كمن عثر على مفتاحٍ لذاكرةٍ أُغلقت طويلًا، وقال:
“سؤالك أقلقني… لكني تذكرت. اسم شارع النضال استُحدث بعد نهاية العهد الملكي في العام 1958.”
ثم أضاف، وكأن الأسماء تنهض من سباتها:
“كان القصر الأبيض يطل على شارع الأمير غازي، وهو غير شارع الملك غازي (المعروف اليوم بشارع الكفاح )كما أنه يختلف عن حديقة غازي التي تُسمى الآن حديقة الأمة.”
سألته: كيف عثرت على الاسم بعد كل هذا النسيان؟
قال:
“رجعتُ إلى كاتالوغ خطوط نقل الركاب لمدينة بغداد، الذي أعدّه المهندس جعفر… رائد النقل العام في زمن الحافلات الحمراء. كان قد تلقى تدريبه في بريطانيا قبل أن يتولى تنظيم النقل في بغداد، وهو من وضع خرائط طرقها الأولى.”
توقفتُ عند هذه الإجابة طويلًا… كأن مدينةً كاملة يمكن أن تُستعاد من خريطة، أو من ذاكرة رجلٍ أصرّ أن لا يخذله السؤال.
وهكذا، لم يعد الأمر مجرد اسم شارع، بل حكاية زمنٍ كامل ،زمنٌ تتبدل فيه الأسماء، كما تتبدل الوجوه والأنظمة، لكن الأمكنة تبقى، بصمتها الطويل، تحفظ ما نعجز نحن عن حفظه.
فالمدن، مثل البشر، لها ذاكرتها الخاصة. وإذا ما تغيّرت أسماؤها، لا يعني ذلك أنها نسيت نفسها، بل ربما نحن من نسي أن يناديها بما كانت عليه. تبقى الشوارع تمشي بأسمائها القديمة في قلوب من عرفوها، حتى وإن أنكرتها اللافتات الجديدة.
إنها قصة شارعٍ ارتبط بالقصر الأبيض… دار الضيافة الحكومية في العهد الملكي، ذلك القصر الذي شُيّد في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي دارًا للضيافة الرسمية في العهد الملكي، ويُعاد اليوم ترميمه بعد إهمالٍ امتد قرابة سبعة عقود. هناك، لا تزال الذاكرة تمشي بين ثنايا القصر والشارع، بهدوء، بين اسمٍ وآخر… تنتظر من يتذكر.



