أخر الأخبار

الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وكلفة التوقف في المالية العامة العراقية

الدكتور مظهر محمد صالح

الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وكلفة التوقف في المالية العامة العراقية

الدكتور مظهر محمد صالح

لا يكمن جوهر الإشكالية في قضية استدامة مسار تمويل تعاقدات الشق الاستثماري في الموازنة العامة، في الصدمة النفطية بحد ذاتها عند حدوثها وانعكاساتها على تنفيذ المشاريع ودفع حقوق الذرعات للأعمال المنجزة فحسب، بل في البنية التقليدية لتقدير الإيرادات العامة، التي تُبنى غالبًا على فرضية الاستقرار العالي في أسواق الطاقة، وكأن المتغيرات الجيوسياسية والاضطرابات الخارجية أحداث استثنائية نادرة، رغم أنها أصبحت جزءًا دائمًا من دورة الاقتصاد النفطي.

ان النسق التقديري للايرادات يبنى تقليديا على حالة عالية من اليقين الخالي من مفاجآت العوامل الخارجية ولاسيما سوق الطاقة … وللاسف ان الضحية الاولى في تنفيذ اولويات الصرف عند الازمات هي المشاريع الاستثمارية التي هي بعهدة قطاع المقاولات، وعلى طوال عقدين ترى ثمة ترابط بين العجز الافتراضي والتخصيصات الاستثمارية وهي فلسفة لم تاتىِ من فراغ ، تحدثت فيها كثيرا ، ولذلك عند اي صدمة تتم التضحية بالنفقات الاستثمارية ، وعند العودة للتنفيذ يطلب قطاع المقاولات لاستكمال المشروع مايسمى بسعر المقاولة في الحدود العليا التنافسية ( للتعويض) فالخسارة تكون مزدوجة على الموازنة للاسف .

لقد تحمل العراق، الساعي إلى ترسيخ فرص السلام، آثارًا شبه مباشرة للعبة الصفرية الناتجة عن صدمة هرمز، بعدما تعرضت نسبة كبيرة من تدفقاته النفطية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية للتوقف لفترة طويلة، الأمر الذي انعكس بصورة قاسية على الإيرادات العامة للدولة، بوصفها إيرادات تعتمد أساسًا على الريع النفطي. وفي ظل هذا التراجع الحاد، لم تعد الكميات المصدّرة القادرة على دعم الموازنة تمثل إلا نسبة محدودة من مستوياتها المعتادة، في وقت انتقلت فيه المكاسب الريعية الناتجة عن ارتفاع الأسعار العالمية إلى أطراف نفطية أخرى استطاعت المحافظة على صادراتها والاستفادة من الأسعار المرتفعة.

وللأسف، فإن الضحية الأولى عند أي اختلال مالي أو تراجع في التدفقات النفطية هي النفقات الاستثمارية، ولا سيما المشاريع المرتبطة بقطاع المقاولات. وعلى مدى عقدين تقريبًا، نشأ ارتباط واضح بين العجز الافتراضي في الموازنة وبين تقليص التخصيصات الاستثمارية، وهي فلسفة مالية لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على اعتبار الإنفاق التشغيلي أكثر صلابة سياسيًا واجتماعيًا، في حين يُنظر إلى الإنفاق الاستثماري بوصفه بندًا قابلاً للتأجيل أو الإطفاء المؤقت عند الأزمات.

غير أن هذا النهج يخلق خسارة مركبة على المالية العامة. فتعطيل المشاريع لا يعني فقط توقف التنمية وتعثر البنى التحتية، بل يؤدي أيضًا عند استئناف التنفيذ إلى نشوء كلف تعويضية إضافية يطالب بها قطاع المقاولات تحت عنوان “سعر المقاولة التعويضي” أو إعادة التسعير ضمن الحدود التنافسية العليا، نتيجة تغيّر أسعار المواد الأولية، وكلف التمويل، وتقادم المعدات، وارتفاع مخاطر التنفيذ. وهكذا تتحمل الموازنة خسارتين متزامنتين: خسارة توقف المشروع وخسارة ارتفاع كلفة استكماله لاحقًا.

ويضاف إلى ذلك أن الصدمة النفطية الأخيرة أظهرت اختلالًا واضحًا في توزيع الأعباء والمكاسب داخل أسواق الطاقة، إذ انتقل جزء مهم من الفائض الريعي الناجم عن ارتفاع الأسعار العالمية إلى أطراف ضمن تحالف أوبك+ ومنتجين آخرين خارج منظمة أوبك، ممن استطاعوا المحافظة على حرية التصدير والاستفادة من الأسعار المرتفعة، في حين تحمل العراق الكلفة الأكبر من التراجع في التدفقات النفطية.

ومن هذا المنطلق، يبدو من حق العراق المطالبة باعتماد مبدأ “التعويض النفطي العادل”، بما يتيح له مستقبلاً تصدير كامل ما يستطيع إنتاجه من النفط دون قيود كمية استثنائية، مع إعادة النظر في فلسفة الحصص الإنتاجية بعد انقضاء الصدمة النفطية. كما أن العدالة الاقتصادية داخل المنظومة النفطية الدولية تقتضي توزيع الضرر المالي بصورة أكثر توازنًا بين البلدان المنتجة، ولا سيما عند تعرض أحد الأعضاء لظروف استثنائية ذات طابع جيوسياسي أو لوجستي قاهر.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة هيكلة فلسفة إدارة المالية العامة في العراق، عبر الفصل النسبي بين الإنفاق الاستثماري والدورات النفطية قصيرة الأجل، وإنشاء أدوات تثبيت مالي وصناديق سيادية أو احتياطيات تنموية تُستخدم لحماية المشاريع الاستراتيجية من صدمات الإيرادات العابرة، بما يمنع انتقال التقلبات النفطية مباشرة إلى دورة التنمية الحقيقية، ويحافظ في الوقت نفسه على استدامة التعاقدات الاستثمارية وكفاءة تنفيذها.
بغداد في 7-آيار-2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان