من سرق رخامنا؟

الدكتور مظهر محمد صالح

من سرق رخامنا؟

دارَ صراعٌ فكريٌّ مزدحمٌ في ردهات البحث، حيث تُصنع السياسة النقدية في قلب بغداد. كان الماركسيون، من خرّيجي الجامعات البريطانية، يجادلون الليبراليين، من خرّيجي جامعاتنا العراقية، في نقاشٍ امتدّ تاريخه بين خمسينيات القرن الماضي وسبعينياته، وكان محور الجدل يدور حول مفهوم “السلعة العامة- (Public Good)” تلك المنفعة التي خُلقت للناس جميعًا، فلا يُقصى عنها أحد، ولا ينتقص انتفاعُ فردٍ منها من حق الآخرين فيها، كالأمن والجسور والحدائق والإنارة العامة. وكان اسم بول ساملسون Paul Samuelson يتردد كثيرًا بوصفه أحد أبرز من نظّر لهذا المفهوم في الاقتصاد الحديث، حين رأى أن الدولة لا تُقاس بثروتها وحدها، بل بقدرتها على حماية ما يخص الجميع.

لكن السؤال الذي ظلّ يطفو فوق كل ذلك الجدل كان أكثر قسوةً من النظريات نفسها:
هل كان الناس بحاجة فعلًا إلى ذلك البذخ الحضاري الذي مثّلته السلالم الكهربائية في نفق ساحة التحرير في سبعينيات القرن الماضي؟

ذلك النفق الذي شُيّد بوصفه علامةً على بغداد الحديثة ،تحيط به المحال التجارية في تشكيلٍ دائري أنيق، وتعلوه تفاصيل معمارية آسرة، حتى غدت جدرانه وأعمدته مكسوّة بالرخام الإيطالي اللامع، وكأن المدينة كانت تريد أن تمنح مواطنيها شيئًا من كرامة المدن الكبرى وجمالها.
كان الماركسيون يرون في ذلك انتصارًا لفكرة الحق العام .
فالجمال، في نظرهم، ليس امتيازًا للأغنياء وحدهم، بل حقٌّ للناس جميعًا. وكانوا يستعيدون أفكار كارل ماركس Karl Marx ، عن اغتراب الإنسان حين تُنتزع منه ثروته المشتركة، ويتحوّل نتاج المجتمع إلى ملكيةٍ خاصة للقلة. أما الليبراليون فكانوا يعدّون الأمر ترفًا لا ينسجم مع اقتصادٍ مثقلٍ بالفقر والتفاوت، ويرون أن الدولة ينبغي أن تنفق على الضرورات لا على الرخام والسلالم المتحركة.

ثم مرّت السنوات، وتعاقبت الحروب، وانطفأت الكهرباء، وتعطلت السلالم، وتهالكت منظومات الصيانة، ودخل العراق زمن الحصار الطويل كحرب خرساء ،ذلك الزمن الذي لم يحطم الاقتصاد وحده، بل حطم معه المعنى نفسه، حتى غدت “السلعة العامة” كائنًا يتيمًا لا يجد من يحميه.

وبقي الرخام وحده.
يلمع بصمتٍ حزين في نفقٍ خاوٍ، يعكس بياضه على واجهات محالّ فارغة، كأنما يحاول أن يتذكر بغداد التي كانت هنا يومًا.

إلى أن أفاقت المدينة ذات صباحٍ على همسٍ ثقيل يدور في دوائرنا البحثية:
لقد اختفى الرخام.

اختفى الرخام الإيطالي الذي كان يزيّن نفق ساحة التحرير، واستُبدل بحجارةٍ باهتةٍ كئيبة اللون، أفقدت المكان آخر ما تبقّى فيه من ذاكرة الجمال. وقف الجميع مذهولين ،الماركسيون والليبراليون معًا، وقد سقطت فجأة كل المسافات الفكرية بينهم أمام حقيقةٍ جارحة:
لقد هُرّب رخام “السلعة العامة” ليُكمل زينة أحد القصور.

وهكذا تحوّل ما صُنع للناس جميعًا إلى ملكيةٍ خاصة لفردٍ واحد.

ولم تتوقف الحكاية عند النفق. فبعد أيامٍ قليلة جُرّد واحدٌ من أكبر المباني الحكومية المغلفة بالرخام الإيطالي نفسه، ليُستبدل بصخورٍ قاتمة تبعث على الكآبة، بينما كانت الهمسات الخائفة تتناقل الحقيقة ذاتها:
رخام الدولة التحق برخام النفق، واستقر هناك… في القصور ذاتها.

عندها فقط بدا وكأن بغداد تستعيد تحذيرات الفلاسفة جميعًا دفعةً واحدة. في وقت كان جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau يرى أن خراب العدالة يبدأ حين يُستولى على ما هو مشترك بين الناس، لأن العقد الاجتماعي نفسه يقوم على صيانة الحق العام لا اغتصابه.اما هانا ارندت Hannah Arendt فكانت ترى أن خراب المجال العام يبدأ حين تتحول الأشياء التي تجمع الناس إلى أدواتٍ للهيمنة والامتياز، وعندها لا تفقد المدن جمالها فحسب ، بل تفقد قدرتها على أن تكون وطنًا للجميع. وعندها فأن انهيار المجال العام يعني تراجع السياسة نفسها وتحولها إلى هيمنة أو خوف.
وهكذا لم يكن الرخام المسروق مجرد حجرٍ ابيض غادر جدارًا إلى جدار، بل كان قطعةً من ذاكرة المدينة وهي تُقتلع بصمت ،كان إعلانًا موجعًا عن تحوّل “السلعة العامة” من حقٍّ مشترك إلى غنيمة، ومن جمالٍ يخص الناس إلى زينةٍ تخص السلطة. وأن خراب الدولة يبدأ حين تتحول الشؤون العامة إلى أدوات بيد السلطة أو الخوف.

ويبقى السؤال، بعد كل هذه السنوات:
متى يعود رخامُ الناس إلى الناس؟
ومتى تستعيد الدولة معنى المنفعة العامة قبل أن تفقد حتى ذاكرتها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان