وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام

د. مظهر محمد صالح

وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام

كانت خطواتي ثقيلة وأنا أجرّ أقدامي الخاوية، أتوقف في شارعٍ تتقدمه بوابات تفضي إلى بناء هادئ، لا تبدو على وجوه الداخلين إليه أو الخارجين منه أي ملامح انفعال. الجميع يهمس في آذان بعضهم بصمتٍ بارد، فيما المدينة تتقلب في نومها، ولا تصحو إلا على ضجيج سماسرة تنبض قلوبهم بلا رحمة.

إنها البناية رقم 11 في شارع وول ستريت، الراقدة في ذاكرة التاريخ الاستعماري لمدينة نيويورك. قلت في سري: هنا سوق نيويورك للأوراق المالية، حيث يتركز المال العالمي. إنها أكبر مرتكز مالي في العالم من حيث القيمة السوقية للشركات المدرجة، وتضم آلاف الشركات العملاقة متعددة الجنسيات ، شركات التكنولوجيا والطاقة والمصارف والصناعات الكبرى، فيما تتقلب القيمة السوقية هناك بين الفرح والخوف عند حدود أربعين تريليون دولار.

تقدمت قليلاً لأكتشف مفارقتين.

الأولى، أن شاهداً نحاسيا كان يحدّث المارة بأن تسمية “وول ستريت” تعود إلى الحقبة الاستعمارية الهولندية في القرن السابع عشر، حين كانت نيويورك تُعرف باسم “نيو أمستردام”. ففي العام 1653 تقريباً، أقامت السلطات الهولندية جداراً خشبياً دفاعياً عند الطرف الشمالي للمستوطنة لحمايتها من الهجمات المحتملة للبريطانيين والسكان الأصليين. امتد ذلك الجدار على طول الشارع، فصار يُعرف بـ “شارع الجدار” أو Wall Street. ومع مرور الزمن، اختفى الجدار وبقي الاسم، حتى أصبح رمزاً للقطاع المالي الأمريكي والعالمي.

أما المفارقة الثانية، فكانت أكثر قسوة ووضوحاً.

تركتُ الرصيف المزدحم بالسماسرة في شارع وول ستريت، وانتقلت إلى الرصيف المقابل، حيث اصطفت عربات الوجبات السريعة الرخيصة، تبيع السندويشات الساخنة ببضعة دولارات فحسب. وكان المحتشدون هناك من فقراء نيويورك، من الطبقة العاملة وبعض أبناء الطبقة الوسطى، يبحثون عمّا يسد رمقهم في مدينة لا ترحم.

وقفت مذهولاً بين رصيفين:
رصيف يحتشد فيه الأثرياء والسماسرة، وكثير منهم يتاجرون بشقاء الأمم ونهب ثروات الشعوب في اقتصاد رمزي لا يرى الإنسان إلا رقماً في سوق المال.
ورصيف آخر يضم كادحي نيويورك ومثقفيها البسطاء، أولئك الذين لا يملكون سوى حياتهم وقوة عملهم لكي يعيشوا.

ولم تكن نيويورك بعيدة عن مسرحها الكبير في برودواي، ذلك المسرح الذي ظلّ لعقود يعرض حكايات الإنسان بين الحلم والانكسار. هناك، على مسافة غير بعيدة من وول ستريت، تصعد الأضواء كل ليلة لتروي قصص الفقراء الذين يركضون خلف الخبز، والأغنياء الذين يركضون خلف مزيد من الذهب والمال. وكأن المدينة قد قسمت روحها بين خشبة مسرح تبكي الإنسان، وشارع مالي يلتهمه بلا رحمة.

تذكّرتُ وأنا أعبر ذلك التناقض الصاخب، كيف أن نيويورك نفسها التي أنجبت أعظم الأبراج الزجاجية، كانت تخفي في أزقتها آلاف المشردين الذين يفترشون الأرصفة تحت برد نهايات الخريف القاسي. ففي برودواي يُصفّق الجمهور لمأساة الفقراء بوصفها فناً، بينما في وول ستريت تُدار المأساة ذاتها بوصفها أرقاماً وأرباحاً ومؤشرات صعود وهبوط.

وكان المشهد يبدو لي كأن المدينة كلها تؤدي عرضاً مسرحياً هائلاً:
الأغنياء يمثلون دور الخلود المؤقت فوق منصات المال، والفقراء يمثلون دور البقاء اليومي من أجل سندويش دافئ وشيء قليل من الكرامة.

لكن ما أدهشني أكثر أن الفقراء أنفسهم انقسموا إلى جماعتين:
جماعة احتشدت حول عربات تحمل إشارات تسويق البرغر والبيتزا وغيرها من الوجبات السريعة، وجماعة أخرى اصطفت أمام عربة كتب عليها بالعربية والإنكليزية: “حلال”.

ابتسمتُ في سري، وقلت:وانا القادم من بلاد شرق المتوسط،مستطرداً،
إن رصيف الأغنياء في وول ستريت قد اختلطت فيه صور المال وسلوكياته بين الحلال والحرام، حتى لم يعد للكتاب المقدس مكان في عقول السماسرة وقلوبهم.

أما على الرصيف المقابل، فقد انقسم الفقراء في وجباتهم بين الحلال والحرام.

هناك فقط أدركت أن المال لا دين له في الذراع الأيسر من وول ستريت، حيث السماسرة، بينما بقيت بقايا العقائد والأيديولوجيات وأخلاقيات الدين ترقد على الرصيف الأيمن. ولم يعد الفاصل بين العالمين سوى قطعة لحم داخل سندويش، تحولت لدى المارة في شارع وول ستريت إلى آخر مرتكزات المقدّس.
وفي نيويورك، قد يلتقي برودواي ووول ستريت في شارعٍ واحد، لكن الأول يبيع الحلم، فيما الثاني يبيع العالم ،وبين خشبة المسرح وشاشات البورصة، يتعلّم الإنسان أن المدينة لا تُقاس بارتفاع ناطحاتها، بل بقدرتها على تحويل الوهم إلى حقيقة، والحقيقة إلى صفقة.
وأخيرًا، غادرتُ المكان بأقدامٍ أثقلها السير، فيما كانت المدينة تواصل حديثها في دواخلي بصوتٍ خافت، وهمسٍ أعلى من الصمت، وصدى اللحظات يوشوش لي بأن الحياة كلّها ليست سوى سرديةٍ متقلّبة ،تتبدّل فيها الوجوه والأدوار، بينما يبقى المسرح ذاته، لا يشيخ ولا يُسدَل ستاره. وهناك، حيث تتعانق أضواء برودواي مع صخب وول ستريت، بدا العالم في عينيَّ مسرحًا هائلًا؛ فقلتُ في نفسي: هنا تُصاغ الأحلام لتصفّق لها الجماهير، وهناك تُصاغ المصائر لتصفّق لها الأسواق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان